34/12/17


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة/ الاحتياط/ الاحتياط الشرعي
كان الكلام في الرواية الأخيرة، وهي مقبولة عمر بن حنظلة، وكان آخر الكلام في ما استشهد به الإمام(عليه السلام) من حديث التثليث المروي عن النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، حيث قلنا بأنّ الحديث فيه فقرتان:
الفقرة الأولى: قلنا أنّها واضحة في الإرشاد إلى أنّ ترك الشبهات يؤدي إلى النجاة من المحرّمات، وهذا مطلب مسلّم وواضح، لكن ليس فيه دلالة على الإلزام بترك الشبهة.
وأمّا الفقرة الثانية: فيقول فيها(ومن أخذ بالشبهات وقع في المحرّمات وهلك من حيث لا يعلم)، قلنا أنّ هذه العبارة تارةً نبقيها على ظاهرها الأوّلي، وهو أنّ المقصود هو من أخذ بجميع الشبهات وقع في المحرّمات، وهذا مطلب صحيح وندركه بقطع النظر عن الرواية، لكنّه لا يثبت المقصود في محل الكلام؛ لأنّ المقصود في محل الكلام هو أنّ ارتكاب الشبهة هل هو جائز، أو غير جائز ؟ بملاك احتمال الوقوع في الحرام، والأخباريون يقولون أنّ هذا الاحتمال لابدّ من الاعتناء به، ويجب الاحتياط لاحتمال الوقوع في الحرام، بينما الأصوليون يقولون لا يجب الاعتناء بهذا الاحتمال، فلا يجب الاحتياط.
إذن: كلامنا في ارتكاب الشبهة، ولو كانت واحدة بملاك احتمال الوقوع في الحرام. وأين هذا ممّا يُفهم من الرواية من أنّ من يرتكب جميع الشبهات يقع في المحرّمات، وهذا لا إشكال فيه، باعتبار العلم الإجمالي بوجود محرّمات واقعيّة في ضمن جميع الشبهات، فمن يرتكب جميع الشبهات يقع في المحرّمات. هذا أمر واضح بلا إشكال. لكن هذا لا يثبت وجوب التجنّب عن الشبهة الواحدة التي ليس فيها إلاّ احتمال الوقوع في الحرام. ومنه يظهر أنّه لابدّ من حمل الشبهات على الجنس، يعني أنّ المقصود ليس هو جميع الشبهات، وإنّما على الجنس، من أخذ بالشبهة وقع في المحرّمات؛ وحينئذٍ لابدّ من تفسيرها بتفسيرٍ على غرار ما تقدّم سابقاً في بعض الروايات من أنّها تُفسّر بأنّ من ارتكب الشبهة وقع في المحرّمات يعني شارف على الوقوع في المحرّمات، لابدّ من ارتكاب تجوّزٍ من هذا القبيل، باعتبار أنّ ارتكاب الشبهة يقرّب الإنسان من المحرّمات، فيكون جريئاً على ارتكاب المحرّمات، فيكون المراد بها هو نفس المراد بالروايات السابقة، وبناءً عليه: أيضاً لا يصحّ الاستدلال بهذه الرواية، لما تقدّم سابقاً في تلك الروايات من أنّ هذا المعنى لا يثبت وجوب الاحتياط، إلاّ إذا اثبتنا حرمة المشارفة والاقتراب من المحرّمات، لكنّ هذا أوّل الكلام، فمن قال أنّ الاقتراب من المحرّمات حرام ؟ وأنّ المشارفة على المحرّمات حرام بحرمةٍ شرعيّة حتّى نستنبط من الرواية حرمة الإقدام على الشبهة ووجوب الاحتياط.
هذا تمام الكلام في أدلّة وجوب الاحتياط العقليّة والنقليّة. وقد تبيّن ممّا تقدّم عدم تماميّة شيء من هذه الأدلّة، لا الدليل العقلي، ولا الدليل النقلي بكل تقريباته المتقدّمة، ومن هنا يظهر أنّه لا داعي للدخول في بحثٍ مترتّب على افتراض تماميّة أدلة الاحتياط، هناك بحث ذُكر، لكنّه مترتّب على افتراض تماميّة أدلّة الاحتياط، وهذا البحث هو عبارة عن ما هي النسبة بين أدلّة الاحتياط، وبين أدلّة البراءة ؟ من الواضح أنّ هذا البحث مبني على افتراض تماميّة أدلّة البراءة، وهذا صحيح، ومبني أيضاً على افتراض تماميّة أدلّة الاحتياط؛ فحينئذٍ يقع الكلام في ما هي النسبة بين أدلّة البراءة العقليّة، وأدلة الاحتياط ؟ أو بين أدلّة البراءة الشرعيّة من الآيات والروايات وبين أدلّة الاحتياط العقلي والنقلي، فيقع الكلام في أنّه عندما يتعارضان، بعد فرض تماميّة كلٍ منهما، فأيّهما يُقدّم على الآخر؟ هل تقدّم أدلّة البراءة ؟ أو تقدم أدلّة الاحتياط ؟ هذا بحثٌ لا داعي للدخول في تفاصيله، باعتبار أنّهم أيضاً انتهوا إلى نتيجة أنّ أدلّة الاحتياط ليست تامّة، فتبقى أدلّة البراءة لا يوجد لها ما يعارضها؛ لذا نستغني عن هذا البحث. ومن هنا يظهر أنّ ما تمّ من أدلّة البراءة من الكتاب والسُنّة ليس له ما يعارضه؛ لعدم تماميّة شيءٍ من أدلة الاحتياط التي استدلّ بها الأخباريون.
تنبيهات البراءة
إلى هنا يتمّ الكلام عن أصالة البراءة. يبقى الكلام في تنبيهات البراءة، وتحت هذا العنوان ذكروا جملة من المباحث، كأنّ هذه التنبيهات ترتبط بشكلٍ، أو بآخر بالبراءة؛ فلذا ذُكرت هذه التنبيهات في ذيل البحث عن أصالة البراءة.
التنبيه الأوّل: ما تعرّض إليه الشيخ الأنصاري(قُدّس سرّه)،[1] حيث أنّه ذكر أنّ العمل بالبراءة وجريانها بعد الفراغ عن تماميّة أدلّتها مشروط بشرط، وهو أنْ لا يكون هناك أصل موضوعي جارٍ في موردها، وإلاّ إذا كان هناك أصل موضوعي يجري في مورد البراءة؛ فحينئذٍ لا تصل النوبة إلى البراءة؛ لأنّ هذا الأصل الموضوعي يكون حاكماً، أو وارداً ــــــ على الخلاف ـــــــ على أصالة البراءة، ومُثّل لذلك بالمثال المعروف وهو أصالة عدم التذكية عند الشكّ في حلّيّة حيوان، أو حرمته من جهة الشكّ في قابليته للتذكية. يقول هنا لا مانع من الرجوع إلى البراءة في حدّ نفسه كَشَكٍّ في الشبهة الحكميّة التحريميّة، وقد قلنا سابقاً أنّ أدلّة البراءة تامّة فيها، لكن هنا يوجد ما يمنع من إجراء البراءة، وهو هذا الأصل الموضوعي الذي هو أصالة عدم التذكية، أو استصحاب عدم التذكية، فأنّ هذا الاستصحاب يحرز لنا عدم التذكية، وبذلك يكون رافعاً لموضوع البراءة؛ لأنّ موضوع البراءة هو الشكّ في الحرمة وفي الحلّيّة، واستصحاب عدم التذكية تعبّداً يحرز لنا الحرمة، ويحرز لنا عدم التذكية، يعني يحرز لنا ما يترتّب على عدم التذكية، أي الأثر الشرعي وهو الحرمة، ومع إحراز الحرمة، ولو تعبّداً يرتفع موضوع أصالة البراءة الذي هو الشكّ في الحرمة، فلا تصل النوبة إلى البراءة عند وجود أصلٍ موضوعي من هذا القبيل.
الشيخ الأنصاري(قُدّس سرّه)بعد أنْ ذكر هذا كمثالٍ للأصل الموضوعي المانع من إجراء البراءة، دخل في بحثٍ صغروي ليس له علاقة بأصل الفكرة، وإنّما هو بحث صغروي في أصالة عدم التذكية، وما هو المقصود بها ؟ وما هي المعاني الموجودة المتصوّرة للتذكية ؟ في فروع هذه المسألة، وكل ما يرتبط بتنقيح حال هذا الأصل، وهذه أبحاث أخذت منه مأخذاً كبيراً جدّاً وهي في الحقيقة بحوث صغروية، ومحلّها أنْ تُبحث في الفقه، ولكنّها من الاستطرادات التي ذُكرت في علم الأصول وهي كثيرة، كأنّهم لم يجدوا محلاً لبحثها، إلاّ في هذا المكان، فوجدوا فرصة، فدخلوا في هذه البحوث المُعمّقة والطويلة جدّاً، فدخل في بحث أصالة عدم التذكية، وما هي المعاني المتصوّرة لأصالة عدم التذكية ؟ وما هو حكمه بالنسبة إلى الأدلّة الأخرى ؟ ومتى يكون جارياً، ومتى لا يكون جارياً؟ يختلف هذا باختلاف التفسيرات المطروحة للتذكية.....الخ ممّا لعلّه سنشير إليه ولو على نحو الاختصار. بالنتيجة الفكرة في أصلها هي فكرة صحيحة، وليس لها اختصاص بالبراءة؛ بل هذا المطلب جارٍ في جميع الأدلّة؛ إذ لا إشكال في أنّ العمل بأيّ دليلٍ يكون مشروطاً بأنْ لا يكون هناك دليل آخر حاكم أو وارد عليه، والعمل بأيّ دليلٍ يكون مشروطاً، ليس فقط بهذا، وإنّما مشروط بأنْ لا يوجد معارض مساوٍ له يكون موجباً لسقوطه عن الحجّيّة، وكذا هو مشروط بأنْ لا يكون هناك دليل رافع لموضوعه بالحكومة، أو بالورود، فهذا ليس شيئاً من مختصّات دليل البراءة، وإنّما هو شيء عام، ومسلّم بلا إشكال، وإنّما طُبّق على دليل البراءة لغرض توضيح بعض الأمور، لعلّه لغرض توضيح أصالة عدم التذكية، فالمطلب صحيح، أنّ إجراء أصالة البراءة يتوقّف على عدم وجود أصلٍ موضوعي يجري في موردها.
مدرسة المحقق النائيني(قدّس سرّه) اعترضت على الشيخ الأنصاري(قُدّس سرّه)[2] بأنّه ما هو الوجه في تخصيص الشرط بالأصل الموضوعي الذي يجري في الموضوع كما هو ظاهر الأصل، المحقق النائيني(قدّس سرّه) يقول لا وجه لهذا التخصيص؛ لأنّ الملاك في تقديم هذا الأصل على البراءة هو الحكومة، الحكومة أيضاً بالتفسير الذي هو يختاره، المبنية على مسلك الطريقية وجعل العلميّة والمحرزيّة، فكأنّ الأصل المجعول فيه العلميّة والطريقيّة والمحرزيّة وبذلك يكون رافعاً لموضوع أصالة البراءة الذي هو الشك تعبّداً. إذن: الملاك في هذا الشرط هو عدم وجود دليل حاكم على البراءة، ومن الواضح أنّ الدليل الحاكم على البراءة لا يختصّ بالأصول الموضوعيّة، أي لا يختصّ بخصوص الأصل الجاري في الموضوع؛ بل يمكن أنْ يجري حتّى إذا كان أصلاً جارياً في الحكم فيما إذا كان رافعاً لموضوع البراءة، ورافعاً للشكّ حتّى إذا كان جارياً في الحكم لا في الموضوع؛ إذ أيّ فرقٍ بين الأصل الجاري في الموضوع، وبين الأصل الجاري في الحكم إذا كان كل منهما رافعاً للشكّ الذي هو موضوع دليل البراءة، العمل بأصالة لبراءة وجريانها كما يتوقّف على عدم وجود أصل موضوعي حاكم عليها كذلك يتوقّف على عدم وجود أصل حكمي حاكم عليها؛ لأنّ المناط هو الحكومة، ورفع الموضوع، هذا هو الذي يمنع من إجراء البراءة، وهذا لا يُفرّق فيه بين الأصل الموضوعي وبين الأصل الحكمي، وبناءً على هذا يكون الشرط هو أنْ لا يكون هناك أصل حاكم يجري في مورد البراءة، سواءً كان أصلاً موضوعياً، كما في مثال أصالة عدم التذكية، أو كان أصلاً حكمياً، من قبيل استصحاب الحرمة، في بعض الأحيان قد يجري في نفس المورد ما كان في الحالة السابقة كالنجاسة، أو الحرمة، فيكون استصحاب الحرمة حاكماً على البراءة والإباحة؛ لأنّه يعبّدنا بالحرمة، أو بالنجاسة، وبهذا يكون رافعاً لموضوع البراءة الذي هو الشكّ في الحرمة، أو الشكّ في النجاسة، مع أنّه أصل حكمي، أي أنّه أصل يجري في مرتبة الحكم، لكن لمّا كان حاكماً بنفس الملاك الموجود في الأصل الموضوعي؛ حينئذٍ لابدّ أنْ نشترط في جريان البراءة عدم جريانه، كما نشترط في جريان البراءة عدم جريان الأصل الموضوعي، فلا داعي لتخصيص هذا الشرط بالأصل الموضوعي كما ذكره الشيخ الأنصاري(قُدّس سرّه). هذا الذي ذكره المحقق النائيني(قدّس سرّه).
لكن ما هو مقصود الشيخ الأنصاري(قُدّس سرّه) بالأصل الموضوعي ؟ هل مقصوده خصوص الأصل الموضوعي الجاري في الموضوع، أو مقصوده بالأصل الموضوعي هو الأصل الذي ينقّح موضوع أصالة البراءة ويرفع الشك ؟ يوجد احتمال أنّ هذا هو مقصود الشيخ الأنصاري(قُدّس سرّه)، فيعمّ الأصل الجاري في الموضوع، والأصل الجاري في الحكم؛ لأنّ الأصل الجاري في الحكم ينقّح الموضوع، ويرفع الشك الذي أُخذ في موضوع أصالة البراءة.
بعد أنْ ذكر المحقق النائيني(قدّس سرّه) هذا المطلب، من الواضح أنّه افترض الحكومة بناءً على مسلكه، يعني حكومة الأصل الجاري في الموضوع، أو الجاري في الحكم، افترض أنّه حاكم على أصالة البراءة، لكن افترض أنّ نكتة الحكومة هي مسلك الطريقيّة، وجَعْل العلميّة وإلغاء احتمال الخلاف وأمثاله؛ لأنّ أصالة عدم التذكية التي هي استصحاب عدم التذكية، أو استصحاب الحرمة المتيّقنة سابقاً؛ لأنّ المجعول في الاستصحاب الطريقية؛ حينئذٍ يكون الاستصحاب حاكماً على اصالة البراءة؛ لأنّ المجعول في دليل الاستصحاب هو الطريقية، والعلميّة والمحرزيّة، فيكون رافعاً للشكّ الذي هو موضوع البراءة، فيتقدّم عليه بالحكومة.
لكن يُلاحظ عليه: أنّنا في بعض الأحيان نقدّم الأصل الجاري في مورد البراءة، ولو لم يكن ممّا جُعلت فيه المحرزيّة، لم تُجعل فيه المحرزيّة باعتراف المحقق النائيني(قدّس سرّه)، مع ذلك هو يقدّمه على البراءة، مع أنّه لا وجه لهذا التقديم إذا كانت نكتة الحكومة هي الطريقيّة والعلميّة؛ لأنّه لم تُجعل فيه المحرزيّة باعتراف المحقق النائيني(قدّس سرّه)، والمثال على ذلك هو مسألة الماء المشكوك الطهارة، إذا حكمنا عليه بالطهارة استناداً إلى اصالة الطهارة، وليس استصحاب الطهارة، بأنْ نفترض أنّه ليست له حالة سابقة كما في توارد الحالتين، فلا نستطيع أنْ نستصحب الطهارة في توارد الحالتين، فإذن: هو ماءٌ مشكوك الطهارة والنجاسة، حكمنا عليه بالطهارة استناداً إلى اصالة الطهارة، ثمّ هذا الماء الذي حكمنا عليه بالطهارة استناداً إلى اصالة الطهارة غسلنا به ثوباً نجساً، يعني حالته السابقة هي النجاسة، وشككنا في بقاء النجاسة وارتفاعها؛ لأننّا غسلنا الثوب بماءٍ نشكّ في طهارته ونجاسته، هنا أيّهما الذي يتقدّم ؟ لا إشكال، وبلا خلاف، حتّى عند المحقق النائيني(قدّس سرّه) أنّ أصالة الطهارة تتقدّم على استصحاب النجاسة في الثوب؛ لأنّ أصالة الطهارة بمثابة الأصل الموضوعي السببي، بينما استصحاب النجاسة بمثابة الأصل المسببي الحكمي، يعني أنّ أصالة الطهارة تجري في مرتبة الموضوع، بينما الاستصحاب يجري في مرتبة الحكم، فتتقدّم أصالة الطهارة على استصحاب النجاسة، مع أنّه على مبنى المحقق النائيني(قدّس سرّه) المفروض أنْ نعكس؛ لأنّ الاستصحاب هو الذي جُعلت فيه المحرزيّة، أمّا أصالة الطهارة، فلم تُجعل فيها المحرزيّة، لا أحد يقول أنّ العلميّة والطريقيّة مجعولة في أصالة الطهارة، العلمية والطريقية مجعولة في الإمارات، وفي الاستصحاب على رأيٍ، وإلاّ حتّى في الاستصحاب هناك كلام في أنّ الطريقية لو تعقّلناها في الإمارات هل هي مجعولة في الاستصحاب، أو لا ؟ لو كانت نكتة الحكومة وتقديم الأصل الجاري في مورد أصالة البراءة هو الطريقيّة، إذن: في أمثال هذا المثال لابدّ من عدم تقديم أصالة الطهارة على استصحاب النجاسة؛ بل لابدّ أنْ نحكم بالعكس؛ بأنْ نقدّم استصحاب نجاسة الثوب على أصالة الطهارة الجارية في الماء؛ لأنّ الاستصحاب يحرز لنا نجاسة الثوب، فنكون قد أحرزنا نجاسة الثوب، فإذن: لا نستطيع أنْ نتمسّك بأصالة الطهارة لإثبات طهارة الثوب؛ لأنّ استصحاب النجاسة أحرز نجاسة الثوب تعبّداً. بينما هو لا يقول بذلك؛ بل الكل لا يقولون بذلك، هذا يكشف عن أنّ نكتة التقديم في محل كلامنا ليست هي جعل الطريقيّة وجعل العلميّة، بهذا الدليل، وإلاّ في بعض الأحيان نقدّم الأصل الجاري في الموضوع ولو لم يكن المجعول فيه هو المحرزيّة والطريقيّة والعلميّة. النكتة في التقديم ليست هي الطريقيّة، وإنّما النكتة في التقديم قائمة في نفس كون هذا الأصل يجري في رتبة الموضوع، وكون الأصل الآخر يجري في رتبة الحكم، النكتة في التقديم هي كون هذا الأصل سببي، وكون الأصل الآخر مسببي، في محل كلامنا لماذا نشكّ في حرمة هذا الحيوان الذي نشكّ في حرمته وحلّيّته ؟ لأننّا نشكّ في التذكية. إذن: الشكّ في التذكية صار سبباً للشكّ في حرمة الحيوان وحلّيّته، فذاك أصل سببي، وهذا أصل مسببي، نفس كون هذا أصل يجري في رتبة الموضوع، وهذا أصل يجري في رتبة الحكم، هذه هي النكتة للتقديم في نظر العرف، والتي تقتضي تقديم الأصل الذي يجري في رتبة الموضوع على الأصل الذي يجري في رتبة الحكم، بقطع النظر عن مسألة المحرزيّة وجعل الطريقيّة وأمثالها، وإنّما نفس كون هذا أصلاً سببيّاً يقتضي التقديم؛ لأنّه في رتبة السبب يجري وينقّح الموضوع ويرفع الشكّ في مرتبة المسبب.
على كل حال، نكات تقديم الإمارات على الأصول، وتقديم بعض الأصول على بعض، هذه النكات ستبحث مفصّلاً في مباحث الاستصحاب والتعارض، والتعادل والتراجيح، وليس هنا محل بحثها، وإنّما الغرض هو الإشارة إلى هذا الشيء على وجهٍ سريع. فقلنا أنّهم دخلوا بعد إكمال هذا التنبيه في بحث أصالة عدم التذكية، وما هو المقصود بها ؟ وهل تكون أصالة عدم التذكية حاكمة ومقدّمة على البراءة وأصالة الحلّيّة في جميع الموارد، وبجميع المعاني المطروحة له، أو لابدّ من التفصيل ؟ فدخلوا في هذا البحث، ونحن تبعاً لهم أيضاً ندخل في هذا البحث، لكن بشكلٍ مختصر.
ذكروا أنّ الحيوان الذي زُهقت روحه، يمكن تصوّر الشكّ في حلّيّة لحمه وحرمته على أنحاءٍ أربعة، وكلّ هذه الأنحاء تنقسم تارةً إلى شبهةٍ حكميّةٍ، وإلى شبهةٍ موضوعيّةٍ تارة أخرى، فتكون الصور المتصوّرة ثمانية:
النحو الأوّل: أنْ يكون الشكّ في حلّيّة لحمه وحرمته من جهة الشكّ في أنّ هذا الحيوان هل هو محللّ الأكل، أو محرّم الأكل، وليس من جهة التذكية؛ بل نفترض في هذا النحو أننّا نحرز التذكية؛ بل نفترض أكثر من هذا، أننّا نحرز التذكية، ونحرز قابلية هذا الحيوان للتذكية، لكن مع ذلك نشكّ في حرمة لحمه وحلّيّته من جهة الشكّ في أنّه من الحيوانات المحللّة الأكل، أو المحرّمة الأكل، هذا ينشأ من أننّا نعلم بأنّ التذكية في بعض الأحيان لا تنتج لنا حلّيّة الأكل، وإنّما تنتج فقط الطهارة، حتّى في الحيوان القابل لها، أنّ هناك حيوانات قابلة للتذكية إذا ذُكيت، ولكن لا يحل أكل لحمها كما في السباع، وإنّما فقط يكون أثر التذكية ظاهراً في طهارة جلودها وأمثال ذلك، فهذا حيوانٌ زهقت روحه، ونعلم بوقوع التذكية عليه، ونعلم بقابليته للتذكية، لكن لا ندري أنّ الشارع هل رتّب على تذكيته حلّيّة أكل لحمه أيضاً، كما رتّب الطهارة، أو لم يرتّب ذلك ؟ فشككنا في أنّه يحل أكل لحمه، أم لا ؟
وهذا النحو الأوّل تارةً يكون بنحو الشبهة الحكميّة، وتارةً أخرى يكون بنحو الشبهة الموضوعيّة.